محمد عزة دروزة
394
التفسير الحديث
أولا : لا يصح للمؤمنين الذين وجّه إليهم الخطاب في الآيات أن يدخلوا بيوتا غير بيوتهم إلَّا بعد الاستئذان والاستئناس بأن أهلها فيها ، وبعد أن يأذنوا بدخولهم عليهم . وعليهم أن يحيوهم بالسلام قبل كل شيء . وإذا قيل لهم ارجعوا فليرجعوا ، فهذا هو الأطهر لهم المبعد عنهم قالة السوء . وثانيا : لا يصح لهم أن يدخلوا كذلك بيوتا غير بيوتهم إذا لم يجدوا فيها أحدا من أصحابها إلا بإذن منهم باستثناء البيوت غير المسكونة إذا كان لهم في ذلك مصلحة وحاجة . وقد نبهت مقاطع الآيات الثلاث الأخيرة إلى أن ما في ذلك من تذكير وتعليم . وإلى كون اللَّه تعالى يعلم كل ما يفعلونه وكل ما يبدونه أو يكتمونه على سبيل التدعيم لما احتوته الآيات من تشريع ، والتشديد على وجوب اتباعه وعدم مخالفته . وقد روى الطبري عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت : يا رسول اللَّه إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحبّ أن يراني أحد لا والد ولا ولد ، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ، فنزلت الآية الأولى . وروى الزمخشري أن أبا بكر قال : يا رسول اللَّه إنه قد أنزل عليك آية بالاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلَّا بإذن ؟ فنزلت الآية الثانية . وقال الخازن : لما نزلت آية الاستئذان قالوا : كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن يريدون المنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم ، فأنزل اللَّه الآية الثالثة . والرواية الأولى محتملة جدّا دون الروايتين الثانيتين فيما يتبادران لنا . لأن منازل السابلة في طريق مكة والمدينة والشام قد أنشئت في الدولة الإسلامية وكان العرب يحملون خيامهم من الشعر أو الجلد فيأوون إليها حينما ينزلون منزلا في رحلاتهم الطويلة . وهذا لا يمنع أن يكون بعضهم استفتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم حينما نزلت الآية الأولى عن أمر البيوت غير المسكونة فرفع اللَّه في الآية الثالثة الحرج عن